فصل: تفسير الآيات (83- 98):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعلبي



.تفسير الآيات (83- 98):

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)}
{وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً}، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم: كان نبياً. وقال الآخرون: كان ملكاً عادلاً صالحاً. أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهداً يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سُمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرناً. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه. وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعاً. وقيل: لأنه أُعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض} أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ} يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء {سَبَباً} علماً يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغاً إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان عليه السلام.
{فَأَتْبَعَ}: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: {فأتبع}، {ثمّ اتبع} بقطع الألف وجزم الثاني: لحق {سَبَباً}، قال ابن عباس: منزلاً، وقال مجاهد: طريقاً بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: {لعلي أَبْلُغُ الأسباب * أَسْبَابَ السماوات} [غافر: 36-37] يعني الطرق.
{حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: {حامية} بالألف، أي حارة. ويدل عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النبّي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية».
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض».
وقرأ الباقون: {حَمِئَةٍ} مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أُبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سّوداء)، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر رجل من الأزد يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية: {وجدها تغرب في عين حامية} فقلت: ما نقرؤها إلاّ {حَمِئَةٍ}. فقال معاوية لعبد الله بن عمر: وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن. فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاماً تزداد به نصرة في قولك: {حَمِئَةٍ}. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلماً ** ملِكاً تدين له الملوك وتسجد

بلغ المشارق والمغارب يبتغي ** أسباب أمر من حكيم مرشد

فرأى معاد الشمس عند غروبها ** في عين ذي خلب وثأط حرمد

قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت: الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلاً أو غلاماً، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
{وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً}، يعني ناساً {قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ}: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام {وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً}، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
{قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ}، أي كفر {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ}: نقتله {ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ} في الآخرة {فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً}: منكراً. {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى}، قرأ أهل الكوفة {جَزَآءً} نصباً منوّناً على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأُضيف الجزاء إليهما كما قال: {وَلَدَارُ الآخرة} [يوسف: 109] والدار هي الآخرة: و{وَذَلِكَ دِينُ القيمة} [البينة: 5].
{وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: {يُسْراً} أي معروفاً.
{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً}، أي سلك طريقاً ومنازل {حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً}، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر؛ وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم.
وقال الحسن: كانت أرضهم أرضاً لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم. وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا: ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس ها هنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أُميّة قال: وجدت رجلاً بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلاً فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أُذنه ويلبس الأُخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلّما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: {كَذَلِكَ} اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أتبع سبباً كما أتبع سبباً. وقيل: كما وجد القبيلتين عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: {كَذَلِكَ} أي كذلك أمرُهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ}، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات {خُبْراً}: علماً.
{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم. الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزاً بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ بفتح السين وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي {يَفْقَهُونَ} بضم الياء، وكسر القاف على معنى يُفهمون غيرهم، وقرأ الباقون: {يَفْقَهُونَ} بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولاً.
{قَالُواْ ياذا القرنين} قيل: كلّمهُ عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: {لا يكادون يفقهون قولاً، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين}. وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيراً من شر، ولا ضلالاً من هدى، {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من أجيج النّار، وهو ضوؤها وشررها، شُبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هم من ولد يافت ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم عليه السلام قال ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: {مُفْسِدُونَ فِي الأرض}، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئاً أخضر إلاّ أكلوه، ولا شيئاً يابساً إلاّ احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذىً شديداً وقتلاً. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم. أخبرنا عبد الله بن حامد الوّزان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النبّي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أُمّة ومأجوج أُمّة، كل أُمّة أربعمئة ألف أُمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح». قيل: يا رسول الله صفهم لنا. قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأُرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومئة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومئة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأُخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلاّ أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية».
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلاً من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبداً صالحاً، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أُمم الأرض، وهي أُمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض، ومنهم أُمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجّن والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأُمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأُمّة في قطر الأرض الأيمن يُقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يُقال لها: تاويل».
فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلاّ أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة اُكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أُكاثرهم؟ وبأي صبر أُواسيهم؟ وبأي لسان أُناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أُخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أُدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أُصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أُتقن أُمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أُحصيهم؟ وبأي جند أُقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نفساً إلاّ وسعها، ولا تحملها إلاّ طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها». قال الله تعالى: «إنّي سأُطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأُحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كل شيء، وأُلبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأُسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جنداً من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك».
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمُّ الأُمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعاً وعدداً لا يحصيهم إلاّ الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأساً لا يطيقهم إلاّ الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فمنهم من آمن ومنهم من صدّ عنه، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أُمماً عظيمة، فجعلهم جنداً واحداً. ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأُمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يُقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملاً.
فانطلق يقود تلك الأُمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفناً من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحاً فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلّما خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنوداً كفعله في الأُمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلاً حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأُمم التي في وسط الأرض من الجّن والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أُمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقاً من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون حشرات الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلاّ ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً}: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا. قال علي بن أبي طالب: منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في موضع الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكّل واحد منهم أُذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأُخرى وليس منهم ذكر ولا أُنثى إلاّ وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أُنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد.
فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحداً فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا.
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مئة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخاً. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يُذاب ثمّ يُصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علاّه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقاً من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامداً إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أُمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أُمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أُمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعماراً، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ. فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها؛ برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أرَ أحداً مثلكم، فخبروني خبركم. قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟. قالوا: عمداً فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟. قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلاّ أمين مؤتمن. قال: فما بالكم ليس عليكم أمير؟. قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: فما بالكم ليس فيكم حكّام؟. قالوا: لا نختصم.
قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟. قالوا: لا نتكاثر.
قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك؟. قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟». قالوا: مِن أُلفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا. قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟». قالوا: من أجل أنّا شُبنا أنفسنا بالأحلام. قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟». قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضاً.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟». قالوا: صحت صدورنا فنُزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟». قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟». قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعماراً؟». قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟». قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟». قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه. قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟
»
. قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟». قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقاً على الله أن يخلفهم في ذريتهم. وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غداً. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذابلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غداً، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفاً عليهم في أقفائهم فيقتلونهم». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكراً من لحومهم».
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء: 96] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض» قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء».
قال صلى الله عليه وسلم: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دماً للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دوداً كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حساً، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه: أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعىً غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط».
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} قرأ أهل الكوفة: {خراجاً} بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج: ما لزمك أداؤه. {على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً}: حاجزاً فلا يصلون إلينا؟ {قَالَ} لهم ذو القرنين: {مَا مَكَّنِّي} على الإدغام. وقرأ أهل مكة: {ما مكنني} بنونين بالإظهار {فِيهِ رَبِّي} وقوّاني عليه {خَيْرٌ}، ولكن {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً}: حاجزاً كالحائط والسدّ. قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة». قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: {آتُونِي زُبَرَ الحديد} يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه {حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين}، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب {حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين}، وهما الجبلان بضمّ الصاد والدال، وفتحهما وأمر بالنّار فأُرسلت فيه، ثمّ {قَالَ انفخوا}، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: {آتوني أُفْرِغْ}: أصب عليه {قِطْراً}، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
{فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ} ويعلوه من فوقه، {وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً} من أسفله. قال قتادة ذُكر لنا أن رجلاً قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي». قال: كالبرد المحبّر؛ طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته».
{قَالَ} ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: {هذا} السّد {رَحْمَةٌ}: نعمة {مِّن رَّبِّي}؛ فلذلك لم يقل: هذه. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ} ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: {دكّاً} بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً}.